طريق الموت… فوضى السير بالمغرب تتطلب حلولا بديلة و ناجعة
أصبحت الطرقات في المغرب فضاء محفوفا بالمخاطر، حيث تتزايد حوادث السير المميتة بشكل لافت، وتتقاطع السرعة المفرطة مع العنف والسلوكيات المتهورة من قبل مستعملي الطريق، ما يطرح إشكالات عميقة تستدعي أجوبة صريحة: هل أصبحت المخالفات والعقوبات كافية لردع هذه التصرفات غير المسؤولة؟ أم أننا في حاجة إلى حلول أكثر فعالية للحد من الحرب الطرقية؟ ثم ما هي الوسائل البديلة لضبط سلوكيات مستعملي الطريق؟
تكشف معطيات رسمية صادرة عن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية أن “الحرب الطرقية” لم تعد مجرد توصيف إعلامي، إنما واقع تؤكده الأرقام، حيث سجلت سنة 2025 ما مجموعه 160.347 حادثة سير، بارتفاع قدره 12,7% مقارنة بسنة 2024. كما عرف عدد القتلى ارتفاعا بنسبة 25,5%، بمجموع 4.577 وفاة.
في المقابل، بلغ عدد المصابين بجروح خطيرة 10.333، بزيادة قدرها 10,8%، فيما تجاوز عدد المصابين بجروح خفيفة 214.451، أي بنسبة 11,2%. وهي أرقام تعكس حجم الخطر الذي يعرفه ملف السير بالمغرب.
بالنسبة للمناطق الخارجة عن المدار الحضري، فقد شهدت ارتفاع ملفت في عدد الحوادث بنسبة 17,3%، و17,7% في ما يتعلق بالجروح الخفيفة. فيما عرفت المدن ارتفاعا مقلقا في مؤشرات الخطورة، خاصة عدد القتلى الذي بلغ 49,9%، بينما وصلت نسبة الجروح الخطيرة إلى 15,3%. الأمر الذي يؤكد أن الخطر قائم في كل مكان، لكنه أكثر فتكا داخل المدن.
في سياق متصل، تصدر مستعملو الدراجات النارية المشهد بنسبة 45% من مجموع القتلى، ما يجعلهم الفئة الأكثر عرضة للمخاطر. يليهم الراجلون بنسبة 25,9%، ثم مستعملو السيارات الخفيفة بنسبة 19,4%، في حين لم تتجاوز نسبة الدراجات الهوائية 4,4%، من جهة، سجلت باقي الفئات نسبا محدودة. ومن جهة أخرى، توضح هذه المعطيات أن الفئات الأكثر هشاشة هي المتضرر الأساسي.
في هذا الصدد، رغم تسجيل انخفاض طفيف في وفيات مستعملي الدراجات الهوائية بنسبة 4,7%، فإن باقي الفئات عرفت ارتفاعا ملحوظا، خاصة الدراجات النارية بنسبة 34,3%، والراجلين بنسبة 31,2%، فيما بلغت نسبة الارتفاع لدى مستعملي السيارات 15%، والشاحنات 44,1%، بل وحتى الحافلات السياحية 58,3%.
وفقا للإحصائيات الرسمية فإن فصل الصيف يتحول إلى ذروة “طريق الموت”، حيث سجل أعلى عدد من الوفيات في شهر غشت، إذ بلغ 508 قتيلا، بزيادة 43,1% مقارنة مع السنة الماضية، بينما سجلت أدنى حصيلة في شهري فبراير ب257 ومارس ب 296. وبالتالي تفضح هذه الأرقام موسمية الخطر، دون أن تخفف من حدته.
وفي صلب الأحداث أعربت” السيدة (ع.ه) التي كانت على متن سيارة أجرة كبيرة، أنها عاينت حادثة سير مميتة أثناء طريقها إلى المنزل، إثر اصطدام عنيف بين سيارتين، كانت إحداهما تسير بسرعة مفرطة، و أسفر الحادث عن وفاة أحد السائقين في عين المكان، فيما أصيب الآخر بجروح خطيرة. وقد خلف حالة من الاستنكار في صفوف الركاب ومستعملي الطريق”.
ويرجح أن الحادث يعود إلى التهور في السياقة وغياب الالتزام بتطبيق قواعد السير.
من جانب آخر، يبرز الواقع اليومي في الطرقات سلوكيات أكثر خطورة، حيث تتحول المشادات الكلامية بسرعة إلى السب والقذف، قبل أن تتطور إلى مواجهات جسدية في بعض الحالات، في غياب تام لثقافة احترام الآخر. فضلا عن تجاهل إشارات المرور، وانتهاك حق الأسبقية، في وقت تتحول فيه السرعة إلى استعراض مفتوح، وكأن الطريق ملكية خاصة.
إن الوضع الحالي يطرح إشكالا حقيقيا: هل المشكل في القانون أم في تطبيقه؟ فالواقع يشير إلى أن الاكتفاء بالغرامات المالية لم يعد كافيا لردع هذه السلوكيات، خاصة في الحالات الخطيرة المرتبطة بالتهور والعنف، حيث تتحول العقوبة إلى مجرد مبلغ يدفع، فيفقد القانون هيبته وتستمر الفوضى. الأمر الذي يتطلب البحث عن حلول أكثر واقعية وصرامة لتجاوز الوضعية الراهنة.
لعل أبرز الحلول المقترحة، انطلاقا من مقاربة صحافة الحلول، تتمثل في مجموعة من الإجراءات العملية القادرة على الحد من تفاقم حوادث السير. وفي مقدمتها، تشديد العقوبات الزجرية في المخالفات الخطيرة، خاصة السرعة المفرطة والسياقة العدوانية، إلى جانب عدم الاكتفاء بالغرامات المالية، بل اعتماد إجراءات أكثر ردعا، كالسحب المؤقت أو النهائي لرخصة السياقة في حالات العود.
كما يتعين العمل على إدماج التربية على السلامة الطرقية بشكل أعمق، سواء داخل المؤسسات التعليمية أو عبر حملات تحسيسية مستمرة تستهدف مختلف الفئات، بهدف ترسيخ ثقافة احترام قانون السير.
وفي السياق ذاته، يشكل تحسين البنية التحتية الطرقية عنصرا أساسيا، من خلال إصلاح النقاط السوداء، وتعزيز علامات التشوير، وتوفير شروط السلامة، بما يحد من مخاطر الحوادث. ويبقى التطبيق الصارم للقانون دون أي تساهل وقيام شرطة المرور بدورها بكل مهنية ونزاهة ركيزة أساسية باعتبار أن هيبة القانون تظل العامل الحاسم في فرض الانضباط داخل الفضاء الطرقي.
Comments ( 0 )