ثورة القراءة… نقطة التحول إلى ما بعد الحداثة
الكتاب هو مصدر الطاقة والثراء والوعي الفكري وآخر ما جاء في الحداثة، رغم التقدم التكنولوجي الرهيب الذي يجري بنا إلى المجهول حيث جميع الفرضيات مبهمة والمستقبل غير واضح.
لكن هناك تيارات مخالفة تنقسم إلى أصحاب الفكر والثقافة والحداثة الحقيقية، والمستهلكين لكل شيء دون إحداث أي تغيير. هؤلاء بالذات هم سبب أزمة الثقافة في المجتمع، والأوضاع المتردية التي تسوء يومًا بعد يوم، وأضحت عائقًا أمام التنمية الحقيقية والتحول الفكري.
من جانب، إن عامل القراءة يعد الصمام لقياس مستوى التنمية في المجتمع، وتقييم الدول من حيث الثقافة والوعي الاجتماعي ومدى تأثيرهما على المجالات الأخرى.
لا السياسة ولا الاقتصاد يستطيعان أن يحدثا التغيير المنشود بقدر ما يحدثه الفكر، الذي يساهم بشكل فعّال في إحداث ثورة فكرية وحداثية محضة.
ومن جانب آخر، فإن المجتمع الواعي والمثقف يختلف عن المجتمع غير الواعي، الذي يمثل فئة المستهلكين والمتأثرين بأي تيار أو فكرة أو توجه يُفرض عليهم، لانعدام تلك البصمة الفكرية والقراءة التي اندثرت، وحلّت محلها التفاهة والانحلال الأخلاقي والتدهور الفكري. بدلًا من مصاحبة الكتاب والتركيز على القراءة عن طريق جعلها أولوية قصوى بهدف التغيير والتنمية، والبناء الجيد للركائز الأساسية للدولة المتقدمة.
يرجع سبب تقدم الدول العظمى وتربعها على عرش الريادة والتنمية إلى ارتباطها الوثيق بالكتاب، ودعم الفكر والثقافة والبحث العلمي، وفتح المجال للإبداع والابتكار، ما جعلها تصب كل جهودها في حقل التنمية والتطور الذي نراه اليوم.
فهذا هو حصاد الأمس، ومجهود وكفاءة المثقفين والعلماء.
و هذه هي الحقيقة المرة التي تتعمد إخفاءها أو بالأحرى إلهاء دول العالم الثالث، بغية عدم الرجوع إليها، واستعادة قوتهم وتألقهم من الكتاب الذي يلعب الدور الأساسي في الحلقة الأقوى.
فالكتاب والقراءة والبحث العلمي والثقافة كلها أسلحة حقيقية لإحداث ثورة فكرية وحداثية حقيقية، تساهم في انتقال الدول من مرحلة التخلف إلى مرحلة التقدم والتنمية المستدامة على جميع الأصعدة: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
لذلك، فالحل اليوم بين أيدينا جميعًا: إما أن نكثّف جهودنا، ونحارب التفاهة والاستهبال، والانشغال بما لا يفيد، ونعمل على تغذية الفكر بما يخدم مصالح بلداننا، أو نبقى في الحلقة الأضعف، ونحصد ثمار خيبتنا من السيء إلى الأسوأ.
أما عن بلدي المغرب، فهو يعي جيدًا الوضعية الراهنة، ويعمل بجد وطموح نحو بناء مغرب جديد متألق، يسطع كنجم في سماء العظماء.
في هذا السياق، يعتبر المغرب مثالًا حيًا على إحياء الفكر والثقافة، عبر مجموعة من المشاريع الهادفة إلى جعله أيقونة ثقافية عالمية.
لم يأتِ هذا عبثًا، بل من خلال التركيز على الموروث الثقافي والفكري، وأخذ أصحاب الفكر والثقافة مشعل الحداثة الحقيقية المبنية على الثقافة بالدرجة الأولى، وجعلها العامل الأساسي للانتقال إلى المرحلة المقبلة لبناء مغرب جديد متقدم وقوي، يُقاس بالتنمية المستدامة والتطور في جميع الميادين.
تجدر الإشارة إلى ضرورة التركيز على كل ما هو ثقافي وفكري، لأن الثقافة والوعي هما منبع المجالات الأخرى، فالسياسة والاقتصاد ينبثقان منهما. وبالتالي فالكتاب هو السلاح الفتاك الذي يقضي على التفاهة والتخلف والاستهبال، المؤدي إلى جعل دول العالم الثالث تتخبط في مشاكل بالجملة.
بالمناسبة، هذه دعوة لإحداث ثورة في القراءة، من أجل الرجوع إلى ثقافة الكتاب وحب المطالعة المفقودين منذ زمن بعيد، لأسباب متعددة منها الاجتماعية، من خلال نظرة المجتمع للمثقف على أنه متعالي ومتكبر بمجرد حمله للكتاب.
بالإضافة إلى الإنترنت الذي ضرب في عرض الحائط كل ذلك، وأصبح هو المهيمن، وصولًا إلى التقدم التكنولوجي الرهيب الذي يتحول بشكل ملفت، ويتطور بشكل مستمر دون معرفة أين يمكن أن يصل.
ولهذا، فالثقافة غير محصورة في الكتاب فقط، بل القراءة في أي وسيلة متاحة، سواء عبر الإنترنت أو الكتاب. على اعتبار أن الحداثة تكمن في الوعي الفكري والثقافي للمجتمع، وهو المعيار الأساسي للتنمية المستدامة للدول المتقدمة والعظمى، ومدى انخراطها الفعلي في قاطرة التحول للمرحلة القادمة التي تتطلب القوة والتنمية والوعي.
نشر هذا المقال سابقا ضمن النسخة الورقية لجريدة الأحداث المغربية بتاريخ 1 يوليوز 2025.
Comments ( 0 )