عيد الأضحى من عبادة خالصة إلى عادات استهلاكية خلقت أزمة مفاهيم عميقة
لطالما شكل عيد الأضحى شعيرة عظيمة من الشعائر الدينية التي تجسد معاني التضحية والتكافل وصلة الرحم، غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة أفرزت مجموعة من السلوكيات والعادات الجديدة التي بدأت تزاحم الأبعاد الروحية لهذه الشعيرة.
تحول عيد الأضحى من شعيرة دينية قائمة على القيم الروحية والاجتماعية إلى ممارسة خاضعة للضغط الاستهلاكي والمكانة الاجتماعية، تحت تأثير الغلاء والإعلام والسياسات الاقتصادية.
فبعدما كان العيد مناسبة للتقرب إلى الله وإدخال الفرحة على الأسر المحتاجة والأيتام إلى جانب تعزيز الروابط العائلية، أصبح لدى البعض موسما للاستهلاك المفرط والتباهي الاجتماعي، حيث تحولت الأضحية في بعض الحالات من شعيرة دينية إلى معيار للمكانة الاجتماعية والقدرة المادية وتكليف النفس فوق طاقتها تفاديا لأي نزاعات أسرية في ظل غلاء الأسعار التي أنهكت كاهل المغاربة.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بدورها في ظهور مظاهر جديدة مرتبطة بالعيد، من استعراض الأضاحي وأسعارها إلى التنافس حول مظاهر الاحتفال والإنفاق، الأمر الذي زاد من الضغوط النفسية والاقتصادية على العديد من الأسر ذات الدخل المحدود . هذه السلوكيات تضفي نوعا من الإحباط والتحفيز غير المتوازن والتقليد الأعمى لكل ما يروج له في المواقع.
كما أبرزت هذه التحولات مجموعة من الظواهر الاجتماعية المثيرة للجدل، من بينها اللجوء إلى الاقتراض من أجل اقتناء الأضحية، أو تحميل الأسر أعباء مالية تفوق قدرتها الحقيقية، فضلا عن انتشار بعض الممارسات الاستهلاكية التي تتعارض مع قيم الاعتدال والتوازن التي يدعو إليها الدين الإسلامي.
وفي خضم هذه المتغيرات، يطرح العديد من المتابعين تساؤلات حول مدى محافظة المجتمع على الجوهر الحقيقي لهذه المناسبة، وما إذا كانت بعض العادات المستحدثة قد ساهمت في إضعاف أبعادها الروحية والإنسانية.
إن أخطر ما أفرزته هذه التحولات لا يتمثل فقط في ارتفاع حجم الإنفاق أو انتشار بعض العادات الاستهلاكية، بل في الخلط الذي أصبح يطال مفهوم الشعيرة نفسها. فبينما يقوم عيد الأضحى على قيم التقرب إلى الله والتضامن والتراحم، بات يُنظر إليه أحيانا من زاوية القدرة الشرائية والمظهر الاجتماعي، وكأن قيمة الفرد أصبحت تقاس بحجم الأضحية أو تكلفتها. هذا التحول ساهم في خلق أزمة مفاهيم حقيقية جعلت البعض يركز على المظاهر أكثر من المقاصد، وعلى الأحكام الاجتماعية أكثر من المعاني الدينية والإنسانية التي جاء بها العيد.
ويبقى الرهان اليوم هو إعادة الاعتبار للمعاني الأصلية لعيد الأضحى باعتباره مناسبة للتقرب إلى الله وتعزيز قيم التضامن والتراحم، بعيدا عن المظاهر الشكلية والضغوط الاجتماعية التي قد تحجب جوهر هذه الشعيرة ومقاصدها النبيلة.
أثارت السلوكيات التي شهدناها ليلة عيد الأضحى استنكار شعبي واسع حيث اختلطت مظاهر العجز عن اقتناء الأضحية نظرا للغلاء الفاحش الذي عم سوق المواشي وتعارض ارتفاع الطلب مقارنة مع العرض.
وبالرجوع لتصريح أحمد البواري تمكن القطيع الوطني من استعادة توازنه. وبلغ عدد رؤوس الماشية حوالي 40 مليون رأس بفضل البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع الوطني، وتحسن الظروف المناخية. ما يطرح تساؤلا محوريا حول الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع في الأسواق. هل يتحمل وزير الفلاحة مسؤولية تصريحاته قبيل عيد الأضحى؟ و ما مدى تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في حقه بعد الإشكالات التي رافقت هذه المرحلة؟
في هذا السياق، سبق أن صرح رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش في قبة البرلمان بخصوص هذا الملف مخاطبا الكساب بالدخول إلى السوق قبيل عيد الأضحى بمدة تفاديا لتوفر العرض أكثر من الطلب، ما اعتبره البعض بمثابة استفزاز للمغاربة وتحريض مباشر عليهم بسبب خرجاته التهكمية من قبل “غنعاود لكم الترابي” وغيرها …فيما يرى آخرون أنها خطة سياسية تضرب في العمق وكانت عكس التوقعات، فقد عرف اليوم الاخير ندرة الأضاحي بدلا من قلتها في مختلف أسواق المملكة، حيث تساءل بعض الكسابين عن سبب اختفاء الاضاحي وكيف تم ذلك مؤكدين أن رؤوس الأغنام متوفرة بكثرة ما طرح تساؤلات حول وجود اختلالات في تدبير هذا الملف؟ أم أن هناك سيناريوهات مجهولة؟
هذا التباين بين المؤشرات الرسمية والواقع في الأسواق يطرح تساؤلات أيضا حول تدبير سلسلة التموين ومدى نجاعة السياسات المرتبطة بالقطاع.
يرى بعض المتابعون، أن أزمة عيد الأضحى نتج عنها عدة مشاكل اقتصادية واجتماعية متعددة، حيث ساهمت الضغوط الاقتصادية المتزايدة في تفاقم التوترات داخل عدد من الأسر المغربية وهو ما انعكس على استقرار عدد من الأسر وعمق من حدة الخلافات داخلها بعد العجز عن توفير الحاجيات اليومية والأضحية. مما أجج الصراع وخلق فجوة عميقة في باب التفكك الأسري. ناهيك عن التضخم الذي يلوح في الأفق حاملا معه شبح الفقر الذي يهدد ما تبقى من القدرة على العيش الكريم ليواجه بقوة الطبقة المتوسطة فيما بعد. هل الطبقة الفقيرة في المغرب عبء على الدولة؟ أم أنها القاعدة الأساسية في الهرم التي يجب النهوض بها؟ ثم ماهي المبادرات التنموية التي تهدف للترميم الاقتصادي ومحاربة الفقر في أفق 2030؟ و هل حكومة أخنوش مستعدة أن تترك ولو أثر إيجابي أم تصر على طبع تأثيرات سلبية على ثقة المواطنين في السياسات العمومية؟ ويبقى السؤال المحير: كيف يتم معالجة التصويت العقابي بعد فقد الثقة في معظم الأحزاب السياسية؟
ختاما، بعد تحليل هذه القضايا المهمة من خلال منظور صحافة الحلول، ووفقا لبعض الماتبعين والمحللين نقترح مجموعة من الحلول الممكنة لتجاوز هذه الأزمات المتتالية والمتواصلة من خلال:
_ التحلي بالجدية والطموح والعمل بمبدأ المصلحة العامة وتعزيز الحكامة
_ النهوض بالثورة البشرية على اعتبارها المكون الأساسية للتنمية
_ تجديد البنية الحزبية في المغرب وتجويدها بعيدا عن المظاهر السلبية التي أفقدتها إشعاعها وربطها بالمصلحة الخاصة ومحاربة الفساد وتقوية الشفافية
_ العمل المشترك والبناء الحقيقي للمغرب الجديد بأيادي وطنية حرة
_ محاربة كل أشكال الفقر والهشاشة
_ النهوض بالصحة والتعليم ودعم البحث العلمي والإبتكار
_ الحفاظ على الأطر والأدمغة في المغرب والانتفاع بعلمهم
_ التحلي بالروح الوطنية قولا وفعلا والتضامن اللامشروط لجعل المغرب بلد التوازن الطبقي والعيش الكريم.
فإعادة الاعتبار لشعيرة عيد الأضحى تبدأ من إعادة التوازن بين القيم الروحية والعدالة الاجتماعية.
Comments ( 0 )