مشاركة الطعام ..من مائدة السعادة العالمية إلى مرق السياسة المغربية
في تقرير السعادة العالمي لعام 2025، الصادر عن شبكة حلول التنمية المستدامة، جاءت فكرة بسيطة لكنها عميقة – مشاركة الوجبات مع الآخرين – ليست مجرد طقس يومي، بل هي مؤشر قوي على السعادة الذاتية يضاهي تأثير الحصول دخل . بحسب بيانات استطلاع غالوب العالمي (2022-2023) الذي شمل أكثر من 150 ألف شخص في 142 دولة، ترتبط كل وجبة إضافية مشتركة في الأسبوع بارتفاع 0.2 نقطة في تقييم الحياة على مقياس من 0 إلى 10، وهو ما يعادل التقدم خمس مراتب في تصنيف السعادة العالمي. أمّا من يتناولون وجباتهم وحدهم فيبلغ متوسط تقييمهم 4.9، مقابل 5.2 لمن يشاركونها.
والأرقام لا تتوقف عند هذا الحد، إذ ترتبط المشاركة بزيادة المشاعر الإيجابية (0.44) وانخفاض السلبية (-0.21)، وتتفوق في تفسير التباين على الدخل والتوظيف مجتمعين في بعض الحالات.
التقرير يؤكد أن الوجبات المشتركة ليست مجرد أكل؛ إنها جسور اجتماعية حقيقية. فهي أقوى ارتباطاً بالدعم الاجتماعي وتقليل الوحدة من ارتباطها بالثقة أو المعاملة بالمثل.
وفي زمن يتزايد فيه تناول الفرد الطعام لوحده – كما في الولايات المتحدة حيث ارتفع بنسبة 53% منذ 2003 ليصل إلى 26% عام 2023، خاصة بين الشباب – أصبحت هذه الممارسة البسيطة ضرورة صحية نفسية.في المغرب لا تُعبر هذه الفكرة عن جديد، بل هي موروث أصيل. من الكسكس يوم الجمعة الذي يجمع العائلة والجيران، إلى الطاجين في الأعراس والأعياد، إلى المرقة التي تُقدم في المناسبات والتعازي، كانت المائدة و لا تزال دائماً فضاء للتواصل والتضامن.
الوجبة المشتركة تُعيد توحيد الرؤى، تُخفف الهموم، وتُعيد بناء الجسور حتى بين الأعداء في مناسبات الصلح. هي، باختصار، علاج شعبي للنفس قبل أن تكتشفه الدراسات العلمية.لكن التحولات المجتمعية – الضغط المهني، قصر عطلة نهاية الأسبوع، تحوُّل بِنية الأسرة، الهجرة القروية، والانكماش على الذات تحت وطأة وسائل التواصل – جعلت مثل هذه العادات تندثر تدريجياً.
ونتيجة ذلك، يعاني الشباب المغربي اليوم، خاصة، من ضيق نفسي حاد ..وحدة، توتر، انخفاض الخصوبة وقلق يتفاقمان في غياب هذا المتنفس الاجتماعي البسيط. التقرير العالمي يذكرنا بأن الشباب يشاركون الوجبات أكثر من كبار السن في معظم المناطق، لكن في سياقنا المحلي، يبدو أن الضغوط الحياتية تسرق منهم حتى هذا الحق الطبيعي.
ومن المفارقات الساخرة أن هذه الممارسة الإيجابية لم تختفِ تماماً… بل تحولت إلى أداة سياسية محترفة. في مواسم الانتخابات، تتحول الموائد والمآدب إلى حملات انتخابية مفتوحة. المرشح يقدم اللحم والبرقوق و مشروبات الصودا، ويأمل في مقابل ذلك صندوق من الأصوات. حتى أن الشعب المغربي اختصر المشهد بسخرية لاذعة: «لا دجاج… لا برقوق… كُرِّيط(و) فالصندوق». الوجبة التي كانت تُبنى بها الصداقات والمصالحات أصبحت، في بعض الدوائر الانتخابية، وسيلة لـشراء الولاء.
وهنا يتحول الطعام من غذاء للروح إلى عملة سياسية رخيصة. و ما دُمنا الآن على حدود الدوائر الانتخابة المدعومة بالمال، لا بأس في ألا ننسَى طبق صحافة المرقة في هذه المأدبة – ذلك اللقب الشعبي الذي أطلقه المجتمع على بعض الأقلام المأجورة والمواقع الصحفية التي تتخصص في التطبيل للمسؤولين مقابل وجبة أو رعاية أو مرق سياسي.
هؤلاء يجلسون على الموائد نفسها، لكنهم لا يشاركون الطعام… بل يبيعون الحياد والمهنية. في زمن يحتاج فيه المجتمع إلى إعلام مسؤول يُبرز الإيجابيات الحقيقية لمشاركة الوجبات و دعم الصحة النفسية للشباب، نجد أنفسنا أمام مرقة إعلامية تُغطي على الواقع بدل أن تُسلط الضوء عليه.
الحاصل إذن موضوعي وبسيط من منظور أوسع، مشاركة الطعام مع الآخرين ليست ترفاً، بل استثماراً في الصحة النفسية والترابط الاجتماعي. الدراسة العالمية تؤكدها عِلمياً، و التجارب السياسية كماالتقاليد المغربية كانت تمارسها (عفوياً). لكن la mise en place في السياسة و الإعلام كأداة للاستقطاب و التطبيل يُفرغها من معناها الحقيقي ويحولنا إلى سخرية.ربما حان الوقت لنعيد اكتشاف مائدتنا المغربية… ليس لكسب أصوات أو مديح مأجور، بل لنبني مجتمعاً أكثر سعادة وترابطاً. فالطعام يجمع، والسعادة تبدأ من المائدة… بشرط أن تكون مائدة صادقة، لا مائدة مرقة انتخابية أو إعلامية. دعونا نشارك الوجبة مع التقرب أولا… ونترك الصناديق والتطبيل خارج كروشنا، شهية طيبة.
Comments ( 0 )