منية بالعافية تعود من إيغود بـ “عيشوا لأجل آلهتكم” لترسخ حضورها كأديبة تجيد التقاط التحولات الكبرى 

منية بالعافية تعود من إيغود بـ “عيشوا لأجل آلهتكم” لترسخ حضورها كأديبة تجيد التقاط التحولات الكبرى

 

 

 

في إصدار أدبي لافت يمزج عبق الأسطورة بشذرات التاريخ والعلم، أطلقت الكاتبة المغربية منية بالعافية روايتها الجديدة “عيشوا لأجل آلهتكم” (المركز الثقافي للكتاب، 2026).

 

تدور أحداث الرواية في فضاء مكاني يُدعى إيغود، ذلك المكان الذي يحمل دلالة تاريخية وعلمية عميقة في المغرب، فهو ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو مهد الإنسانية بحسب الاكتشافات العلمية الحديثة. فقد كشفت الحفريات هناك عن أقدم بقايا هومو سابيانس، تعود إلى نحو 315 ألف سنة مضت، مما غيّر النظرية التقليدية التي كانت تضع مهد البشرية في شرق أفريقيا. هكذا يصبح إيغود في الرواية رمزاً للأصول الإنسانية، للبدايات، وللطبيعة البشرية في أقدم صورها، مكان يجسّد التناقض بين السلام الظاهري والصراعات الداخلية الخالدة.

 

من الخارج تبدو إيغود بنظرة مُنية واحة من السكينة والاستقرار، لكنها في العمق تغلي بتناقضات صارخة، توزع الأرزاق بموازين مختلة، وتُصاغ مصائر الأفراد سلفاً منذ الولادة. هذا الاختيار المكاني ليس مصادفة، بل دلالة مثيرة تجمع بين الزمان والمكان. يربط الكاتبة بين أقدم موطن للإنسان وصراعات السلطة والمعتقدات في عصرنا، كاشفة كيف تتشابك الأساطير القديمة مع واقع اليوم، وكيف تُلبس الأنظمة ثوب الاستقرار بينما تنتج بذور التمرد من أعماقها.

 

البطل و التحول الهادئ في قلب هذا المشهد يبرز ماسين، سيّاف المنطقة الذي يعيش مفارقة وجودية، يحمل سيفه في زمن يدّعي السلم. و من خلال عينيه جعلتنا منية نُتابع تحولاً درامياً هادئاً، لا ينفجر تمرده دفعة واحدة، بل ينمو ببطء عبر تراكم الخيبات والملاحظات اليومية. و سعادتها تبرع منية بالعافية في تصوير الحالة الإنسانية التي يتعلم فيها المحاصر كيف يحكم قيده بنفسه قبل أن يقرر كسره. تؤكد الرواية أن الحروب لا تولد دائماً من الفوضى الظاهرة، بل قد تنبت من صلب الأنظمة المستقرة التي تبدو هادئة.

 

تستنطق الرواية بلغة مشوقة لحظات الهشاشة الإنسانية، وتطرح أسئلة حارقة حول العدالة والمصير، وتصور السّيد الرابض في الأعالي الذي يقتات على آمال البسطاء ويدير فوضاهم بحنكة. كما تكشف بعض المعتقدات الخاطئة والالتباسات التي تواجه الوافدين الجدد إلى فضاءات تبدو غريبة ومعقدة، مستلهمة من الثقافة الأمازيغية وتاريخ المكان.

 

منية بالعافية: مسيرة متعددة المواهب .

 

هذا النَفَس السردي العميق في آخر اصدار، ليس غريباً على منية بالعافية. الأكاديمية الحاصلة على الدكتوراه في السينما والإعلام من جامعة السوربون بباريس، والمخرجة التي خبرت فن الصورة والكلمة. راكمت أعمالاً نوعية بالعربية والفرنسية، بين البحث السوسيولوجي في “المرأة في الأمثال الشعبية” ، والنصوص المسرحية مثل “أزواج وأقنعة” و “خارج الأسوار” . توجت بجوائز مرموقة مثل جائزة نازك الملائكة وجائزة الصحافة العربية بدبي.

 

تعود بالعافية في “عيشوا لأجل آلهتكم” لترسخ حضورها كأديبة تجيد التقاط التحولات الكبرى من ثنايا التفاصيل الصغيرة. تقدم عملاً يربط خيال المبدع بواقعية المثقف المهموم بقضايا الإنسان، ويُعدّ إضافة مميزة إلى الأدب المغربي باستخدامه الإبداعي للدلالات بين الزمان والمكان، واستلهامه لأصول الإنسانية في سياق نقدي معاصر يتناول السلطة والجشع والمصير.

 

رواية تُقرأ كسيرة للإنسان الأزلي, من إيغود المهد إلى إيغود الرمز، حيث تظل الأسئلة الكبرى معلقة بين الآلهة والسيوف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .