هل أنا جائع فعلاً أم متوتر..

هل أنا جائع فعلاً أم متوتر..

 

 

 

 

في هدوء الليل و أنا أحاول ألّا تُسمع خطاي في طريقي الى الثلاجة، وبعد يوم طويل من الانضباط الغذائي، أجد نفسي من جديد أمام المُحليات و المبردات، أبحث عن شيء آكله دون أن أكون جائعاً من أصل. ليست المعدة هي من تنادي!؟ بل شيء أعمق داخل الدماغ يهمس لي : “فقط قطعة واحدة”. هذه اللحظة المألوفة لدى ملايين الناس ليست ضعف إرادة بسيط – أتسائل! – ربما هي نتيجة صراع بيولوجي معقد يدور داخل رأسي كل ليلة.

 

يُفرق العلم بين نوعين من الدافع للأكل. الأول هو الجوع الحقيقي، ذلك الذي ينبع من حاجة الجسم الفعلية للطاقة. أما الثاني فهو الجوع اللذيذ (الشهية)، وهي التي تدفعنا للأكل بحثاً عن المتعة حتى لو كنا شبعانين. هذا النوع الجوع (الشهية) يعتمد بشكل أساسي على نظام المكافأة في الدماغ، الذي يفرز الدوبامين عند رؤية أو شم أو حتى تخيل طعام لذيذ.والمفاجأة الأكبر أن التوتر يلعب دوراً رئيسياً في تعزيز هذا الجوع الكاذب. عندما يرتفع مستوى الضغط النفسي، يضعف الجزء المسؤول عن التحكم والإرادة في الدماغ، بينما يبقى نظام المكافأة نشطاً بقوة. فيبحث الدماغ عن حل سريع ومريح: قطعة كيك محلاة، مملحات، أو أي شيء يمنح دفعة فورية من الشعور بالراحة و مواصلة تتبع القرف على وسائل التواصل و المنصات الإخبارية. ولهذا السبب يتحول الأكل ليلاً إلى عادة مرتبطة بالمزاج أكثر من ارتباطها بالجوع الجسدي.ومن المثير للاهتمام أن هناك تشابهاً كبيرا بين الشهية للطعام والدافع الجنسي. كلاهما يعملان بنفس الآلية الدوبامينية داخل الدماغ. الرغبة في الطعام اللذيذ تشبه إلى حد كبير الرغبة في الشريك، فكلاهما يجمع بين الرغبة والمتعة، وكلاهما يتأثر بالتوتر والجينات والبيئة المحيطة. في عصرنا هذا، أصبح الطعام أكثر “إدمانية” بسبب تصميم المنتجات الغذائية التي تجمع بين السُكر المُكرّر والدهون الحلّوفية، بطريقة تخدع الدماغ وتجعله يطلب المزيد دائماً.

 

ومع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تأتي سخرية الأقدار البشرية لتكتمل. يقول العلم إن الحرّ الشّديد يجب أن يُقلل الشهية طبيعياً، لأن الجسم يحاول تجنب إنتاج حرارة إضافية من خلال عملية الهضم. لكن الواقع غالباً ما يكون مختلفاً. يزداد التوتر الصيفي بسبب الرطوبة وقلة النوم والازدحام و التجاذب، فيستجيب الدماغ بطريقة غريبة: بدلاً من أن يأكل الإنسان أقل، يلجأ إلى الأطعمة الباردة والحلوة لتبرد أعصابه، فيحل مشكلة الحرارة الخارجية بإضافة سعرات حرارية داخلية. عبقرية لا تُضاهى!إذن، كيف نخرج من هذه الدائرة؟الأمر يبدأ بلحظة وعي بسيطة قبل أن تمد يدك نحو الثلاجة: هل أنت جائع فعلاً، أم أنك تشعر بالتوتر أو الملل أو القلق؟ مع الوقت، يساعد تسجيل يوميات الأكل والمزاج على كشف الأنماط الشخصية. كما أن تعديل البيئة المحيطة، مثل إبعاد الإغراءات عن المنزل واستبدالها بخيارات صحية باردة تناسب الصيف، يُحدث فرقاً كبيراً. ولا ننسى أهمية إدارة التوتر من خلال الرياضة، النوم الجيد، والتأمل.في النهاية، لسنا ضعفاء الإرادة كما نظن. نحن فقط بشر نعيش في بيئة غذائية صُممت لاستغلال آليات بقائنا القديمة. فهم كيفية عمل الدماغ بين الجوع والشهية، ودور التوتر، وحتى تأثير الحرارة الصيفية بكل سخريتها، يمنحنا القدرة على بناء علاقة أكثر وعياً وصحة مع الطعام و الشريك أيضا.

 

الليلة القادمة، عندما أسمع صوت الثلاجة يناديني… سأتوقف للحظة، واسأل نفسي من جديد: لماذا اصبحت هكذا ؟من الذي يتحدث فعلاً؟ المعدة، أم الدماغ الذي يبحث عن راحة سريعة؟

 

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .