أنقذوا ما تبقى من الشباب فالقادم أسوأ

أنقذوا ما تبقى من الشباب فالقادم أسوأ

 

 

 

للوهلة الأولى قد ينتابكم الفضول من العنوان، لكن هذه دعوة قبل أن تكون نداء أو استغاثة، لأن الوضع الراهن يثير القلق: شباب ضائع، مدمن، عاطل ونفسيته في الحضيض يحلم بواقع هو بمثابة حق في دول متقدمة تحترم الإنسان وتجعله أولويتها والحجر الأساس في التنمية، كما يحن إلى الاستقرار في بلده لو توفر له العيش الكريم بدل الهجرة التي يرتمي بحضنها معظم الشباب في العالم عامة والمغرب بشكل خاص.

 

يتساءل البعض عن سبب هروب هؤلاء الشباب من وطنهم الأم إلى المجهول، ويجيب آخرون بصوت مشحون غاضب ومتمرد: بحثا عن الحياة، المساواة، والعمل من أجل كسب لقمة العيش، وبكسرٍ يحز في النفس يتابع: أملا في الرجوع إلى أرض الوطن يوما ما، لكن بكرامة حاملا معه استثمارات لبلده رغم كل التحديات والتضييقات التي واجهته يبقى الوطن انتماء والمسؤولين المقصرين في مهامهم بمختلف القطاعات الحيوية هم السبب المباشر في ترتب هذه الأوضاع المزرية.

 

هنا يطرح إشكال حقيقي: هل شبابنا لا يلزمنا؟ أم الإخفاقات و الأوضاع الهشة ألزمته الرحيل طوعا أو كرها؟

 

في خضم هذه الكلمات المؤثرة والأخرى الواقعية يبرز عامل مهم يساهم في تنامي هذه الظاهرة بين الشباب ألا وهو حقن عقولهم بأفكار تتردد من المحيط حتى تعم الأرجاء. قد تشبعوا بفكرة التخلي والهروب والهجرة إلى بلدان أغنى وأكثر تطورا باعتبارها بر أمان لهم بسبب عدم وجود العيش الكريم في بلدانهم، فضلا عن الاحتقان الاجتماعي الذي يسيطر على الوضع وذلك راجع للغلاء، البطالة، الفقر في ظل غياب الحلول البديلة للخروج من هذه المعضلة.

 

من الجانب الإجتماعي، تؤدي كل من الظروف المعيشية والبطالة إلى توتر الأوضاع أكثر فأكثر خاصة مع الزيادات المتوالية في الأسعار مقارنة مع انخفاض الأجور الذي بدوره أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية أيضا. بالإضافة إلى الاحتقان المتزايد الذي يتطلب إيجاد حلول ناجعة حالية ومستقبلية توازن المجتمع وتلائم القدرة الشرائية لكافة الطبقات خاصة الفقيرة (أسفل الهرم). هنا تبرز تساؤلات مهمة: ما هي الإجراءات المستقبلية لضمان العيش الكريم على الأقل لأكثر فئة هشة في المجتمع ؟ وكيف سيتم إدماجها في التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب دون أن تتأثر سلبا؟

 

لا ننكر أن الوعي يلعب دور جد مهم، على اعتبار أن تحليل أي ظاهرة أو التعامل معها وتفكيك رموزها يرتبط بكيفية تفاعل المجتمع معها وذلك يتطلب وعي عالٍ من أجل الوصول إلى حلول واقعية، على سبيل المثال عندما يروج لأي موضوع سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في الواقع يشوبه العديد من الإشاعات والتهويل إنما يتم مداولته بشكل سلبي حتى يفقد معناه بالأساس، الأمر الذي يفسر مدى تأثير الوعي من عدمه وانعكاساته على الفرد والمجتمع على حد سواء.

 

هذا لا يعني أن نرمي المسؤولية على شخص بعينه أو جهة أو وسيلة ما. بل إن المسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، حيث يعود ملف التعليم الى الواجهة لأن التركيز على تنمية جيل مثقف واعٍ ونافع راجع إلى جودة التعليم بالدرجة الأولى. ناهيك عن تزايد المطالب بإصلاح المنظومة الصحية وتعميم العلاج للجميع كحق مشروع لكل مواطن مغربي.

 

أما فيما يخص العامل الاقتصادي فهو عجلة التغيير التي يحتاجها الشباب من خلال محاربة البطالة ورفع الدخل وموازنة الأسعار التي أثقلت كاهل المواطنين والنهوض بهم عبر إدماجهم في قاطرة التنمية التي يعتبر العنصر البشري محورها. وهذا لا يتسنى إلا باقتران الجدية والطموح سواء في شخص المسؤول أو المواطن بهدف الانخراط الفعلي وتظافر الجهود في بناء المغرب الصاعد، الموحد، القوي، والجديد.

 

ما يحدث اليوم ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل مؤشر على خلل عميق يتطلب أكثر من خطابات التهدئة، بل إقناعًا حقيقيًا بالبقاء. فإما أن نعيد للشباب ثقته في هذا الوطن، أو نستعد لفقدان ثروتنا الشبابية والتوجه نحو هرم الشيخوخة مستقبلا.

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .