الصحفي تحت الضغط: أزمة المهنة وعبء من نوع آخر

الصحفي تحت الضغط: أزمة المهنة وعبء من نوع آخر

 

 

 

لا يمكن اختزال أزمة الصحافة في المغرب في النقاشات المرتبطة بالقوانين أو نماذج التمويل أو حتى آليات الدعم العمومي، لأن هناك مستوى أعمق من التحليل نفسه، يتعلق الأمر بالفاعل الأساسي داخل هذه المنظومة نختص بالذكر الصحفي.

 

فبين الإطار القانوني الذي ينظم المهنة، والواقع اليومي داخل غرف التحرير، تتشكل فجوة واسعة ينتج عنها ضغط مهني متراكم، لا يظهر دائمًا في الخطاب العام، لكنه ينعكس بشكل مباشر على جودة الإنتاج الصحفي واستقرار الممارسة المهنية.

 

أصبح عدد من الصحفيين يشتغلون في بيئة مهنية تجعل التوفيق بين الاستقلالية ومتطلبات الاستمرار المهني أكثر تعقيدا. في ظل الضغوطات التي يتعرض لها والصعوبات المادية والمهنية التي يواجهها كل يوم أثناء ممارسته للمهام المنوطة به بين الضمير والإغراءات المعروضة عليه.

 

رغم ذلك يناضل من أجل استمرار الصحافة الجديدة التي يؤمن بها ويرافع عنها بهدف تجويد هذه الخدمة العمومية لمواكبة مغرب اليوم والعمل على بناء وعي إعلامي مستقل حر ونزيه من أجل تحقيق المصلحة العامة.

 

وتتداخل في إنتاج هذا الضغط المهني مجموعة من العوامل، أبرزها:

 

بيئة عمل غير مستقرة

 

تُظهر العديد من التجارب المهنية داخل قطاع الصحافة أن جزءًا كبيرًا من الصحفيين، خاصة في بداية مسارهم المهني، يشتغلون في شروط يغلب عليها عدم الاستقرار الوظيفي والضغط الوظيفي مع غياب شروط الدعم المشروعة. هذا الوضع لا يرتبط فقط بنوع العقود، بل يمتد أحيانًا إلى غيابها أو إلى صيغ غير واضحة تجمع بين التكوين والعمل الفعلي.

 

في بعض الحالات، يشتغل الصحفي لسنوات داخل نفس المؤسسة دون مسار مهني واضح، أو دون ترسيم إداري حقيقي لوضعه، رغم قيامه بمهام إنتاجية كاملة. ما يجعل الحدود بين “المتدرب” و“الصحفي المهني” شبه ضبابية، بل يؤثر بشكل مباشر على تطور المسار المهني واستقراره.

 

وفي خضم هذه الأحداث لا يمكن فصل هذا الوضع عن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يطبع قطاع الإعلام، حيث تهيمن المقاولات الإعلامية الصغيرة والمتوسطة، التي تعمل تحت ضغط مالي دائم، يدفعها في كثير من الحالات إلى تقليص الكلفة البشرية بدل الاستثمار في استقرار الموارد البشرية. كما أن التحول الرقمي، رغم ما أتاحه من فرص، ساهم في إعادة توزيع الأدوار داخل غرفة التحرير دون أن يقابله تحديث مقابل في الإطار المهني والاجتماعي للصحفي.

 

 

هل ستشهد الوضعية المادية والاعتبارية للصحفي المهني تغييرًا إيجابيًا؟ أم ستحظى بالتهميش والإقصاء؟

 

توسع المهام داخل غرفة التحرير

 

شهدت الممارسة الصحفية تحولًا واضحًا في طبيعة الأدوار المطلوبة من الصحفي. فلم يعد دوره محصورًا في جمع المادة الخبرية وصياغتها، بل امتد ليشمل التصوير، المونتاج، إدارة المحتوى الرقمي، وأحيانا التفاعل المباشر مع الجمهور عبر المنصات الاجتماعية.

 

يعتبر هذا التوسع في المهام، رغم ارتباطه بالتحولات التكنولوجية وإيجابياته، إلا أنه لم يواكبه في كثير من الحالات إعادة تعريف دقيقة لوظيفة الصحفي، ولا تحسين فعلي لشروط عمله. وبهذا الانتقال، أصبح الصحفي مطالبًا بأداء أدوار متعددة في وقت واحد، دون أن تتغير أدوات التقدير أو الحماية المهنية.

 

يتبين أن الصحفي اليوم أصبح يتحمل عبئًا مهنيًا يفوق قدراته ويقلص فرصة البحث والتحليل ومعالجة عدد من القضايا الأخرى، إلى جانب المعاناة المادية التي تحول بينه وبين ممارسة مهامه بشكل سلس دون تكبد مرارة المصاريف أخرى تثقل كاهله من أجل الاستمرار في أداء رسالته النبيلة.

 

انعكاسات مباشرة على جودة العمل الصحفي

 

لا يتوقف أثر هذا الواقع عند حدود الصحفي كفرد، بل يمتد إلى جودة الإنتاج الإعلامي نفسه. فمع تراكم المهام وضغط الإيقاع اليومي، يتقلص هامش التدقيق والتحقق، وتضعف القدرة على التعمق في المعالجة، خصوصا في القضايا التي تتطلب وقتا أطول للبحث والتحليل بشكل أوسع.

 

كمثال متكرر داخل عدد من غرف التحرير، قد يُطلب من صحفي واحد تغطية حدث ميداني، ثم تحرير المقال، ثم إعداد نسخة رقمية، ثم إنتاج محتوى مختصر لمنصات التواصل، في نفس اليوم. هذا التسارع لا يترك مساحة كافية للمراجعة أو التحقق، ويحول العمل الصحفي إلى إنتاج لحظي سريع أكثر منه معالجة معرفية معمقة. ليتحول العمل الصحفي إلى إنتاج آلي يقوم على السرعة والكم على حساب الجودة والتأثير.

 

كما يساهم هذا السياق في ترسيخ منطق “الإنتاج السريع”، حيث تتحول الممارسة الصحفية في بعض الحالات إلى عمل يومي استهلاكي، بدل أن تكون ممارسة قائمة على التخصص والتراكم المعرفي والتحلي بالنزاهة وعدم الخضوع لأي جهة كيفما كانت. من أجل الحفاظ على إعلام حقيقي وطني حر وجيد.

 

 

ضغط غير مرئي داخل المؤسسات الإعلامية

 

إلى جانب الضغط المرتبط بظروف العمل، هناك نوع آخر أكثر تعقيدًا، يتمثل في ضغوط غير مكتوبة، لا تظهر في القوانين أو العقود، لكنها تتجلى داخل البيئة المهنية نفسها. ولعل هذا النوع من الضغط يرتبط بتوازنات داخلية للمؤسسات الإعلامية، أو بخطوط تحريرية غير معلنة، أو باعتبارات أخرى مرتبطة بحساسية بعض المواضيع. ورغم صعوبة قياسه بشكل مباشر، إلا أن أثره يظهر في حدود هامش الحرية المتاح للصحفي أثناء الممارسة اليومية.

 

إشكاليات المهنة والتمثيلية

 

ولا يمكن إغفال إشكال آخر يرتبط بتداخل صفة “الصحفي المهني” مع ظاهرة انتحال الصفة، إلى درجة أصبح معها جزء من الرأي العام يجد صعوبة أحيانا في التمييز بين الممارسة المهنية المؤطرة قانونيا، وبين ممارسات أخرى تتم خارج الضوابط المهنية المعروفة.

 

بالإضافة إلى أن هذا الوضع يطرح تساؤلات مرتبطة بمواكبة الإطار التشريعي للتحولات التي يعرفها القطاع، خاصة في ظل استمرار النقاش حول تحيين النظام الأساسي للصحفي المهني، وعلاقته بالتطورات التي عرفها قانون المجلس الوطني للصحافة.

 

ومن جهة أخرى، أعاد هذا النقاش إلى الواجهة أسئلة التمثيلية داخل القطاع، ومدى قدرتها على مواكبة التحولات المهنية والاجتماعية التي يعيشها الصحفيون، في ظل بيئة نقابية أصبحت تعرف بدورها حالة من التوتر والانقسام حول عدد من القضايا المرتبطة بالمهنة ومستقبلها.

 

هل القانون سيكون هو الفيصل بين صفة الصحفي المهني ومنتحل الصفة؟

 

فالصحفي الحر يتطرق لمختلف القضايا و المواضيع المهمة دون التخوف من شخص بذاته أو جهة معينة مادام أنه يعمل وفق الضوابط القانونية ويتحلى بأخلاقيات المهنة ويهدف لتنوير الرأي العام بالخبر اليقين.

 

غياب الاستقرار كمسار مهني

 

لا يقتصر غياب الاستقرار على الجانب المادي، بل يمتد إلى غياب مسار مهني واضح داخل عدد من المؤسسات الإعلامية. ففي حالات متعددة، يشتغل الصحفي دون تصور واضح لمراحل التطور المهني، أو آليات الترقية، أو حتى موقعه داخل الهيكلة التحريرية. مما يجعله يشتغل في ظروف غامضة ومستقبل مبهم وتصارع داخلي بين البقاء أو الإنسحاب.

 

إن هذا الوضع يجعل المسار المهني أقرب إلى سلسلة من التجارب المتقطعة، فبدلا من أن يكون مسارًا تراكميا يسمح بتطوير المهارات وتعميق الخبرة عبر الزمن يصبح مرحلة صعبة من الضغط والصعوبات تجعل الصحفي يخوض رهانات وتحديات قد تجعل منه صحفي مناضل أو صحفي تابع أو صحفي يتابع من بعيد.

 

 

ما هي الإجراءات المستقبلية لضمان الاستقرار للصحفي المهني؟

 

بين الالتزام المهني وحدود البيئة

 

رغم هذه التحديات، يستمر جزء مهم من الصحفيين في أداء مهامهم اليومية، بعضهم مدفوع بالالتزام المهني والبعض الآخر إيمانا بدور الصحافة داخل المجتمع. غير أن هذا الالتزام، في غياب بيئة عمل متوازنة، يتحول في بعض الحالات إلى جهد فردي لتعويض اختلالات بنيوية، بدل أن يكون نتيجة منظومة مهنية داعمة.

 

لا يمكن لأي صحفي أن يضع كل جهوده لتذهب سدى. لأن القيود والضغوط المادية والمعنوية أثقلته حتى لم يعد قادرا على الإستمرار بنفس الجودة والكيفية التي أعتادها وعهدها المتلقي. وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول قدرة المنظومة الحالية على ضمان استمرارية مهنية متوازنة داخل القطاع.

 

هل ستستمر الصحافة الحالية؟ أم الوضعية الراهنة بحاجة إلى صحافة جديدة بمقومات تتلائم مع توجهات المغرب الجديد؟

 

ما الذي يمكن فعله غدًا؟

 

صراحة، لا يطرح موضوع “الصحفي تحت الضغط” كحالة معزولة، إنما كجزء من بنية مهنية واقتصادية تحتاج إلى تدخلات تدريجية وواقعية، تبدأ من داخل المؤسسات الإعلامية نفسها.

 

بالمستقبل القريب يمكن التفكير في إجراءات عملية لا تتطلب تغييرات هيكلية كبرى، بقدر ما تستهدف تحسين شروط الاشتغال اليومي، عبر تعزيز وضوح العلاقة التعاقدية بين الصحفي والمؤسسة، وتفادي الصيغ غير المستقرة التي تخلط بين التكوين والعمل دون تحديد دقيق للحقوق والواجبات.

 

ما هي الإجراءات المستقبلية لتحسين ظروف عمل الصحفي المهني؟

 

كما أن تقوية آليات التصريح المهني داخل المؤسسات يمكن أن يشكل خطوة أولى نحو تقليص الهشاشة، من خلال ربط الممارسة الصحفية بوضعية مهنية واضحة وقابلة للقياس، بدل تركها ضمن مناطق رمادية.

 

إلى جانب ذلك، يظل تنظيم توزيع المهام داخل غرف التحرير عنصرا مهما لإعادة التوازن، بما يحد من التوسع غير المتناسب في أدوار الصحفي الواحد، ويتيح قدرا أكبر من التركيز على جودة العمل بدل تراكم الوظائف.

 

ومن منظور أوسع، يظل فتح نقاش مهني هادئ حول شروط العمل داخل القطاع ضرورة أساسية لفهم العلاقة بين الضغط اليومي الذي يعيشه الصحفي، وبين البنية العامة التي تنتج هذا الضغط.

 

في النهاية، لا يتعلق الأمر بإجراءات تقنية معزولة، بل بمسار تدريجي يهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين الصحفي وبيئة عمله، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار المهني الذي يسمح بممارسة صحافة أكثر توازنا وجودة. وحل الإشكال الذي يتخبط فيه الصحفي من خلال وضع الدولة لحلول واقعية ومستدامة ترقى بقطاع الصحافة و جعل الصحفي مستقر ماديا ومهنيا من أجل ضمان أداء مهامه دون مواجهة أية صعوبات محتملة من قبل جهات معينة أو مؤسسات بحد ذاتها.

 

إن أزمة الصحفي تحت الضغط ليست خللا فرديا في الأداء، بل تعبير مكثف عن خلل بنيوي في طريقة تنظيم المهنة نفسها. فحين يصبح الضغط هو القاعدة والاستقرار هو الاستثناء، لا يعود السؤال متعلقا بأداء الصحفي، بل بشروط وجوده المهني من الأصل.

 

 

ومن هنا، يمكن القول إن المشكلة لا تكمن في “ضغط المهنة” بقدر ما تكمن في غياب التوازن داخل بنية تنتج هذا الضغط وتعيد إنتاجه بشكل مستمر، دون أن تمتلك آليات كافية لتخفيفه أو ضبطه.ما يطرح الإشكال الآتي :هل سيتم الفصل في هذا الوضع أم سيظل قائما والقصة تعيد نفسها من جيل لآخر؟

 

و السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما يعيشه الصحفي مجرد أزمة مهنة… أم بداية لتحول عميق في شكل الصحافة ومستقبلها بالمغرب؟

 

هذا السؤال بالذات يقودنا مباشرة إلى الحلقة المقبلة من هذه السلسلة، حيث سننتقل من تشخيص الأزمة إلى محاولة صياغة تصور لحماية مهنية حقيقية للصحفي، كمدخل لإعادة التوازن داخل المنظومة الإعلامية بالمغرب.

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .