قاعدة الهرم الديمغرافي وصرخة الصحة النفسية المكتومة
في المغرب، يشكل الشباب أكثر من ستين في المائة من السكان دون الخامسة والثلاثين. هم قاعدة الهرم الديمغرافي، الطاقة الضخمة التي يُراهن عليها المستقبل… وفي الوقت ذاته، الجيل الذي يحمل على كاهله أثقل أزمة نفسية صامتة شهدها المجتمع منذ عقود.
كما تشير احصائيات منضمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من مليار شخص عاشوا اضطرابات نفسية. بعد خمس سنوات من جائحة كورونا، لم تعد اضطرابات القلق والاكتئاب مجرد إحصائيات بعيدة. أصبحت حديث كل مجلس عائلي، كل لقاء أصدقاء، وكل لحظة تأمل فردي. الشباب اليوم يعيشون غربة مزدوجة: غربة في وطنهم قبل أن يفكروا في الهجرة، وغربة أعمق عندما يعودون.
يروي لي صديق عائد حديثاً من الخليج قصته بصوت هادئ مثقل بالتعب. يعمل حارس أمن ليلاً، ويطارد أشغالاً يومية متناثرة بعد الظهر، ثم ينهار في نوم صباحي قصير. سألته: ما الفرق بين حياتك هناك وهنا؟. فابتسم ابتسامة مرة، وقال:هناك كنت أعيش… أما هنا فأنا أتنفس. أعود لأنام بعد سيجارة حشيش ملفوفة بعناية، وبعد وجبة سمك شعبية دافئة يتقاسمها الجميع مع سلطة وعصائر. أشعر بلحظات حرية بسيطة تنسيني قسوة الظروف.يعترف بلا مواربة أن لفافة الحشيش أصبحت جزءاً من علاجه الذاتي، لأن تكلفة الطبيب النفسي أو الكوتش بعيدة المنال. ثم يضيف مازحاً بألم: أنا من يدفع للكوتش حتى أعلّمه كيف يعيش المعذَّبون في الأرض بسلام داخلي.
هذا الشاب لا يحكي مجرد قصة عودة فاشلة. إنه يجسّد مأزق جيل كامل: صعوبة الاندماج في الخارج، وصعوبة أكبر في إعادة الاندماج داخل مجتمع أصبح أكثر تعقيداً وبرودة. الضغط الاقتصادي، البطالة المقنّعة، والشعور بالغربة داخل المجتمع الذي يفترض أنه «ملاذ»… كلها عوامل تولّد توتراً سيكوسوسيالياً عميقاً يبحث عن أي متنفس، حتى لو كان مؤقتاً.ثم تأتي قصة أخرى، مؤلمة بطريقة مختلفة _كأن هذه العطلة البينية التي تصادف فصل الربيع رافقتها حساسية مفرطة.
صديقتي المدرسة في إحدى القرى النائية. كل صباح، تُجاهد لترسم ابتسامة دافئة أمام تلاميذ ينظرون إليها ك”ـمثل أعلى” ، بينما يأكلها الاكتئاب من الداخل. تروي لي بصوت منخفض على حافة المحيط:أشعر وكأنني في سجن مترامي الأطراف… سجن بين الوظيفة وحياتي الشخصية. أحضّر الدروس، أكتب التقارير، أجامل المفتش، وأواجه كل يوم ضعف الإمكانيات في منطقة لا تصلها حتى تغطية إنترنت جيدة. حتى مكالمة عائلية بسيطة تتطلب مني حصة رياضية نحو قمة التل.أعيش صراعاً قيمياً حاداً: بين رسالتي النبيلة كمُدرسة تعليم ابتدائي وبين واقع مرير، بين ما تُطالب به الوزارة وبين ما توفره المنطقة فعلياً. السكون البارد يلفّني مع كل غروب، وأتساءل في صمت: ما مصيري بعد عشر سنوات في هذه الوظيفة التي تبدو ناجحة على الورق فقط؟.هنا يتجلى البعد السيكوسوسيالي من جديد بأقسى صوره: العزلة الجغرافية، الضغط المهني المستمر، الشعور بالتخلف عن زمن يتسارع، والصراع بين القيم المهنية والإمكانيات المتاحة.تختلف التفاصيل من شخص لآخر، لكن الخيط الجامع واحد: انهيار الدعائم التقليدية للصحة النفسية. انخفاض تاريخي في الخصوبة، تفكك تدريجي للبنية الأسرية، انتشار العزلة بين الشباب، وتحول سريع ومؤلم في منظومة القيم من الترابط الجماعي إلى فردانية قاسية.بذور الأمل… في قلب العزلة، ومع ذلك، لا تنتهي القصص باليأس.
المدرسة الشابة تقول انها وجدت في البستنة والقراءة والطبخ وعجن الفطائر، وحياكة الزرابي مع نساء الدوار، ملاذاً حقيقياً. أصبحت صديقة النباتات والكتب، ووجدت في أحاديث النساء – المليئة بالفكاهة الخشنة والأساطير والتجارب الحياتية – دفئاً عاطفياً وإحساساً بالانتماء كان ينقصها. علاقاتها بهن لم تعد صداقة عابرة كما تقول، بل استثمار واعٍ في بقائها النفسي.
أما صديقي العائد فيتمسك بالروابط العائلية البسيطة كمصدر للمعنى والحرية النسبية.في المحصلة التي جادت بها نهاية العطلة التي كانت فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، يبدوا أن صحة الشباب المغربي – قاعدة هذا الهرم الديمغرافي الواسعة والمهددة – لا يمكن إنقاذها بسياسات علاجية فردية باردة. الحل يكمن فيما يتقنه المجتمع المغربي تاريخياً: نسج علاقات داعمة حقيقية، إحياء الترابط الأسري، وخلق مساحات مجتمعية محلية تسمح بالتعبير والتأمل والإنجاز المشترك.
فعندما يشعر الشاب والشابة أنهما ليسا غرباء في وطنهما، وعندما تتحول العزلة إلى انتماء حيّ، حينها فقط يمكن لهذا الجيل أن يحوّل التحدي الديمغرافي الكبير إلى قوة تاريخية حقيقية للمغرب.
Comments ( 0 )