شباب المغرب المثقف الجديد يحيي الحوار و يبني جسور المستقبل
في مغرب اليوم، يقود جيل شاب ثورة فكرية هادئة، يواجه تيارات التفاهة والأفكار المستوردة التي تهدد هويتنا الثقافية. هؤلاء الشباب، بمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي، يعيدون تعريف «المثقف» ليكون صوت المجتمع، وجسرا يربط تطلعات الناس بسياسات الدولة.
لم يعد المثقف محصورا في الصالونات النخبوية، بل أصبح جزءاً من النبض اليومي، يناقش في الصالونات الافتراضية والمقاهي الحقيقية. لكن من هو المثقف؟ وما دوره وسط التحولات الاجتماعية المتسارعة ؟ وأي مثقف نريد ؟ شباب اليوم بعقولهم النابضة، يجيب بأسلوب بسيط مستلهم من المعيش اليومي، ليكون دعوة للنقاش تنتقل من الشاشات إلى الصفحات الورقية.
الحوار هو روح التغيير. ليس مجرد تبادل كلام، بل فن يجمع عقلين أو أكثر في سعي للتفاهم. كلمة «حوار»،
في جذورها اليونانية، تعني التفكير معا، وفي العربية ترتبط بـ الرجوع إلى الشيء، أي تبادل الأفكار بصدق. الحوار ليس جدالا لفرض الرأي، ولا مفاوضة للتسوية بل وسيلة لفهم الآخر بعمق. في المغرب، حيث تبدو الدولة أحيانا أكثر حداثة من بعض شرائح المجتمع، يصبح الحوار ضرورة لتقريب وجهات النظر لكن الحوار يحتاج إلى أخلاقيات الصدق في نقل آراء الآخر دون تحريف، العدل في فهم وجهة نظره قبل نقدها. والشجاعة لقول الحق حتى لو كان ضد التيار.
الشباب المغربي يملك الجرأة لقيادة هذا الحوار على منصات مثل إنستغرام ويوتيوب، يرى مبادرات شبابية تناقش قضايا حيوية، على سبيل المثال، مجموعات الشباب من أجل التغيير في الدار، تنظم نقاشات مفتوحة حول التعليم و البطالة، تجمع طلابا و أساتذة و مواطنين عاديين، هذه المبادرات تخلق فضاء عاما يُعبر عن الجميع، لكنها تحتاج إلى دعم لتتحول إلى حركة وطنية،الحوار إذن ليس مجرد كلام، بل أداة لبناء مجتمع متماسك.
لكن الحوار يحتاج إلى قادة وهنا يبرز المثقف الجديد. في الماضي، كان المثقف ينظر إلية كأكاديمي مثقل بالكتب، يتحدث بلغة معقدة.اليوم، المثقف هو كل من يفكر بمنهجية، ينتقد بجرأة، ويسعى للحقيقة. كلمة «مثقف»، من ثقف، تعني صقل الشيء وجعله حادا، فالمثقف يصقل فكره ليخدم مجتمعه. في المغرب، نرى هذا المثقف بين الشباب، مدونة مثل فاطمة الزهراء، التي تنشر فيديوهات على تيك توك عن أهمية الحفاظ على اللغة الأمازيغية، أو فنان مثل مغني الراب توفي الذي يعالج قضايا الشباب في أغانيه. هؤلاء ليسوا أكاديميين، لكنهم يملكون رؤية وشجاعة.
دور المثقف اليوم متعدد. أولا ، توعية الناس بقضاياهم بعيدا عن الشعارات الفارغة. مثلا، مبادرة كتب للجميع في فاس توزع كتبا مجانية في الأحياء الشعبية لتشجيع القراءة، مما يعزز الوعي الثقافي. ثانيا ، نقد سياسات الدولة بناء، مثلما فعل شباب في مراكش عندما نظموا حملة مدرسة لكل طفل مطالبين بتحسين البنية التحتية للمدارس الريفية. ثالثاً، بناء جسور بين المجتمع والدولة، كما تفعل جمعيات شبابية في طنجة تنظم لقاءات مع مسؤولين محليين لمناقشة قضايا البيئة . هذا الدور يتطلب شجاعة لمواجهة التيارات الشعبوية، وصبرا للتأثير في مجتمع يعيش تحولات سريعة. وراء هذه النقاشات، هناك حوار صامت يدور بين الشباب والمفكرين حول الثقافة التي نريدها والمجتمع الذي نحلم به. هذا الحوار ليس جديدا ، بل امتداد لنقاشات بدأها مثقفون مغاربة عبر التاريخ، في القرون الوسطى، ناقش المتكلمون الأوائل قضايا الدين والسياسة بعقلانية، مواجهين التأويلات المغرضة. وفي الأندلس، وضع ابن رشد أسسا لأخلاقيات الحوار في كتابه «تهافت التهافت»، حيث رد على الغزالي بمنطق دون تحريف. علمنا ابن رشد تجنب التشويش على آراء الآخرين، فهم الخصم بعمق، والاعتراف بما نتعلمه منهم. دعا إلى الأمانة العلمية فنقل الآراء بدقة، هو أساس الحوار المثمر. هذه الدروس، منذ قرون، تنير طريقنا اليوم. هذا الحوار الصامت يجب أن يتحول إلى حوار ناطق. الشباب قادرون على إحيائه مستلهمين تراثهم ليبنوا ثقافة تجمع الأصالة والانفتاح. نريد ثقافة تحتفي بالهوية المغربية بتعددها ، من العربية إلى الأمازيغية إلى الحسانية، وتتطلع إلى العالمية.
نريد مجتمعا يحترم الفرد ويعزز العدالة. مبادرات مثل «مهرجان الشباب للثقافة» في الرباط، الذي يجمع فنانين وكتابا شباباً لمناقشة الهوية، خطوة في هذا الاتجاه. لكننا بحاجة إلى المزيد من هذه المنصات لتشجيع الحوار.
أي مثقف نريد ؟ نريد مثقفا شابا، قريبا من الناس، يتحدث لغتهم ويعبر عن آمالهم. مثقفا يحمل الصدق والشجاعة، يقود حوارا يجمع المجتمع والدولة. نريد مثقفا يقدم حلولاً عملية : تحسين التعليم، تعزيز الهوية تحقيق العدالة الاجتماعية. هذا المثقف هو المدون الذي يوجه الشباب، الفنان الذي يلهم، المواطن الذي يطالب بالتغيير. هو كل شاب يؤمن بقدرتة على صنع الفرق.
الشباب المغربي هو القوة التي ستحقق هذا الحلم. بفضل وسائل التواصل، يمكنهم الوصول إلى الجميع، مشاركة أفكارهم، وإلهام الآخرين. لكن التحديات كبيرة : التفاهة التي تغزو الفضاء الافتراضي، الانقسامات الاجتماعية، الحاجة إلى سياسات شاملة. الفرص أكبر : الشباب يملك الإبداع والطاقة. مبادرات مثل «حوار الشباب في تطوان التي تجمع طلابا ومهنيين لمناقشة قضايا التشغيل، تثبت أن التغيير ممكن.
نشر هذا المقال سابقا ضمن النسخة الورقية لجريدة الأحداث المغربية بتاريخ 2 يونيو 2025.
Comments ( 0 )