ارتفاع الجريمة بالمغرب: بين المقاربة الأمنية وأسباب الأزمة الاجتماعية

ارتفاع الجريمة بالمغرب: بين المقاربة الأمنية وأسباب الأزمة الاجتماعية

 

 

 

 

عرفت الفترة الأخيرة مجموعة من الأحداث المتتالية والمدوية بمختلف ربوع المملكة بين اعتداءات، سرقة، جرائم القتل متفرقة بعدة مدن والأسباب تبقى معظمها غامضة أو بدافع سلوكي منحرف ناتج عن الهشاشة الاقتصادية او المجالية او حتى الفكرية. ومع كثرة هذه التجاوزات تعالت أصوات المجتمع للمطالبة بتدخل أمني عاجل ومكثف لتحليل لغز هذه القضايا وتأمين الشارع العام الذي تصاعدت فيه مظاهر الشعور بانعدام الأمان داخل بعض الفضاءات العمومية. هنا تطرح تساؤلات جوهرية وهي كالآتي: ما هي الدوافع التي أدت إلى ارتفاع نسبة الجرائم والاعتداءات بالمغرب؟ وكيف يفسر ذلك أهو فوضى أم تقصير أمني؟

 

للإجابة على هذه الأسئلة يجب تحليل هذه الظواهر من عدة جوانب سنتطرق فيها للجانب النفسي والاجتماعي والاقتصادي والقانوني أيضا.

 

يرى البروفيسور الدكتور والفيلسوف المغربي السيد محمد قصير” أن الحديث عن ارتفاع بعض مظاهر الجريمة والسرقة في المغرب يجب أن يتم بعيدًا عن التفسيرات السطحية أو الخطابات الانفعالية، لأن الظاهرة في جوهرها نتاج تفاعل معقد بين عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية. كما يجب التمييز علميًا بين “الإحساس الاجتماعي بارتفاع الجريمة” وبين المؤشرات الرسمية التي تُظهر في بعض السنوات تراجعًا في بعض أصناف الجرائم العنيفة والسرقات المشددة وفق معطيات المديرية العامة للأمن الوطني.

 

من منظور علم النفس الاجتماعي، يعيش جزء من الشباب المغربي اليوم حالة من الإحباط الوجودي والشعور بانسداد الأفق، خصوصًا في ظل البطالة والهشاشة الاجتماعية والتفاوت الطبقي الحاد. عندما يشعر الفرد أن المجتمع لا يمنحه الاعتراف أو العدالة أو إمكانية الصعود الاجتماعي، تتشكل لديه مشاعر الغضب والاغتراب والدونية، وقد تتحول لدى بعض الشخصيات الهشة نفسيًا إلى سلوك عدواني أو إجرامي.

 

أما من منظور الطب النفسي، فهناك ارتباط واضح بين بعض أنماط الجريمة وبين اضطرابات التحكم في الاندفاع، والإدمان، واضطرابات الشخصية المعادية للمجتمع، إضافة إلى الاكتئاب المزمن المصحوب بالعدوانية والإحساس بالفراغ. كما أن الانتشار المتزايد لبعض أنواع المخدرات والمؤثرات العقلية يساهم في رفع منسوب السلوك العنيف والاندفاعي داخل المجال الحضري، وقد أشارت تقارير أمنية مغربية إلى استمرار المجهودات الأمنية المكثفة لمحاربة المخدرات والشبكات المرتبطة بها.

 

ومن زاوية التحليل النفسي، فالسرقة ليست دائمًا فعلاً مرتبطًا بالحاجة المادية فقط، بل قد تكون أحيانًا محاولة لا واعية لتعويض شعور داخلي بالنقص أو الحرمان أو الإقصاء. فالفرد الذي يشعر بأن المجتمع “سلبه” الكرامة أو المكانة أو الأمان النفسي قد يمارس الجريمة كنوع من الانتقام الرمزي من الواقع. وهنا تصبح الجريمة تعبيرًا عن أزمة هوية وانتماء بقدر ما هي مخالفة قانونية.

 

وفي الحالة المغربية تحديدًا، هناك تحولات عميقة أثرت على البنية النفسية والاجتماعية للفرد:

تصاعد الضغط الاقتصادي وغلاء المعيشة.

ارتفاع سقف التطلعات الاستهلاكية بفعل وسائل التواصل الاجتماعي.

ضعف التأطير الأسري والتربوي في بعض البيئات.

الهدر المدرسي والهشاشة الثقافية.

انتشار الإدمان وبعض أشكال العنف الرمزي داخل الفضاء الرقمي.

 

وسائل التواصل الاجتماعي خلقت أيضًا ما يمكن تسميته “الحرمان المقارن” ، حيث يقارن الشاب المغربي نفسه يوميًا بصور الثراء والنجاح السريع، بينما يعيش هو واقعًا مختلفًا، ما يولد توترًا نفسيًا وإحساسًا بالإقصاء قد يدفع بعض الفئات الهشة إلى البحث عن طرق غير قانونية لتحقيق الاعتراف الاجتماعي أو المكاسب السريعة.

 

كما يجب التأكيد علميًا أن المقاربة الأمنية وحدها، رغم أهميتها، لا تكفي للقضاء على الجريمة على المدى البعيد، لأن الدراسات الحديثة في علم الإجرام وعلم النفس الجنائي تؤكد أن العقاب دون إعادة إدماج نفسي واجتماعي قد يحد من الجريمة مؤقتًا لكنه لا يعالج جذورها العميقة.

 

لذلك، فإن مواجهة الجريمة في المغرب تحتاج إلى مقاربة شمولية تقوم على:

تعزيز الصحة النفسية داخل المدارس والجامعات.

محاربة الإدمان والهدر المدرسي.

تقوية العدالة الاجتماعية وتقليص الإقصاء.

إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات.

دعم الأسرة باعتبارها المؤسسة الأولى للتوازن النفسي.

خلق فضاءات ثقافية ورياضية وتربوية تحمي الشباب من الانحراف.

بصفة عامة الجريمة ليست فقط خللاً قانونيًا، بل أحيانًا انعكاس لخلل نفسي واجتماعي عميق. فكلما ارتفع الإحساس بالإقصاء واليأس وفقدان المعنى داخل المجتمع، ارتفعت احتمالات تحول الألم النفسي إلى عنف أو سرقة أو سلوك منحرف. لذلك فإن الأمن الحقيقي يبدأ من العدالة والصحة النفسية والتربية، وليس فقط من العقوبة.”

 

وفي هذا السياق أوضح د. لحسن دحماني، أستاذ علوم التربية والسوسيولوجيا، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين طنجة تطوان الحسيمة، “أنه لا يمكن اختزال السرقة والاعتداء على الأشخاص في الأماكن العمومية في كونها مجرد أفعال فردية معزولة أو انحرافات أخلاقية بسيطة. بل على العكس من ذلك هي ظواهر اجتماعية مركبة ترتبط ببيئة المجتمع والتحولات الإقتصادية والثقافية والمجالية التي يعيشها الأفراد داخل المجال الحضري خاصة. وبالتالي فإن الفضاء العمومي باعتباره مجالا للتفاعل الاجتماعي والتعايش اليومي يعكس طبيعة العلاقة الاجتماعية السائدة داخل المجتمع وعندما تتزايد فيه مظاهر السرقة أو العنف والاعتداء فإن ذلك يشير غالبا على وجود اختلالات أعمق تمس أنظمة التنشئة الاجتماعية وآليات الضبط الاجتماعي وشروط الادماج الاقتصادي والثقافي للأفراد.

 

وإذا أردنا أن نستعين بعالم الاجتماع إيميل دور كايم الذي أشار إلى أن الجريمة ظاهرة اجتماعية عادية توجد في كل المجتمعات لكنها تصبح مؤشرا على حالة مرضية عندما ترتفع بشكل يهدد التناسق الاجتماعي. وقد لاحظ أن هذا التحول السريع أو الأزمات الاقتصادية أو ضعف المؤسسات يحدث ما سماه دور كايم بالأنوميا أو فقدان المعايير حيث يشعر بعض الأفراد بالانفصال عن القيم الجماعية فيرجعون إلى سلوكيات منحرفة لتحقيق أهداف مادية أو لاثبات الذات داخل المجتمع. كما أن مقاربة روبيرت ميرتون أيضا تفسر هذه الظاهرة من خلال التفاوت بين الأهداف التي يروج لها المجتمع مثل النجاح والاستهلاك والقدرة الشرائية. خاصة في ظل ما تروجه وسائل التواصل الاجتماعي. إذ يظهر بعض المؤثرين، وكأنهم يحلقون ثروات هائلة بأقل جهد، وهي ثروة افتراضية لا تعكس حقيقة المجتمع، لكن الشباب عندما يتأثرون بهاته النماذج يصبحون يعملون من خلال وسائل غير مشروعة من أجل تحقيق هذه الثروة. و عندما يعجزون عن الاندماج الاقتصادي والاجتماعي بسبب البطالة والهشاشة والاقصاء يلجأون إلى السرقة أو العنف كوسيلة بديلة للحصول على المكانة او الموارد المادية.

 

من جهة أخرى، فإن التحولات السوسيو-مجالية داخل المدن تلعب دورا مهما في انتشار هذه الظواهر فبعض الأحياء التي تعاني من التهميش وضعف البنيات التحتية وغياب الفضاءات الثقافية والتربوية تتحول إلى بيئة تنتج أشكال مختلفة من العنف لأن الطاقات اللبيدية كما أكد على ذلك فرويد لا يمكن ان يتم تصريفها إلا من خلال اشكال سامية أو يمكن أن تخرج في شكل غريزي وهو العنف. وأيضا أبرزت مدرسة شيكاغو أن التفكك الإجتماعي داخل الأحياء الهامشية يؤدي إلى ضعف الرقابة الجماعية : تراجع العلاقات التضامنية بين السكان هذا الأمر يهيأ شروط ارتفاع الجريمة في الفضاء العام.

 

كما لا ينبغي إغفال البعد الثقافي والإعلامي لأن بعض أشكال العنف أصبحت تطبع اجتماعيا ويتم نشرها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو بعض المضامين الرقمية التي تمجد القوة والهيمنة والربح السريع كما قلنا خاصة في ظل ضعف التأطير الأسري والتربوي وبالتالي التنشئة الإجتماعية حين تعجز عن قيم الاحترام والمسؤولية والتعايش من خلال الفضاءات التقليدية أو آليات التنشئة الاجتماعية التقليدية يصبح الفرد أكثر قابلية للإنخراط في السلوكات العدوانية داخل المجال العمومي لأنها أصبحت مؤطرة من خلال فعل افتراضي يرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي خصوصا الأفلام وغيرها. وهو ما يعكس هيمنة النموذج الاستهلاكي داخل الثقافة المعاصرة.

 

فالشعور بانعدام الأمن لا يرتبط فقط بعدد الجرائم الفعلية. بل بالتمثلات الاجتماعية والخوف الجماعي ، الحوادث المحدودة قد تنتج هي الأخرى حالة من القلق الاجتماعي وفقدان الثقة في الفضاء العمومي وهو ما يؤثر على طبيعة استعمال الناس للشارع ، الحدائق ، وسائل النقل والأماكن المفتوحة. بمعنى أن الإنسان يرى بأن الشارع ليس ملكا له، لذلك تصبح بعض التصرفات مرتبطة بعدم الاهتمام بالفضاء العام وغياب التضامن وتفكك العلاقات. من هنا يمكن أن نقول أن معالجة ظاهرة السرقة و الاعتداء في الاماكن العمومية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو العقابية رغم أهميتها إنما تستدعي تعزيز العدالة الاجتماعية، تقليص الفوارق المجالية والاقتصادية ودعم المدرسة والأسرة باعتبارهما مؤسستين للتنشئة والقيم وخلق فرص الإدماج الاقتصادي والثقافي للشباب ، إعادة تأهيل الفضاءات الهامشية والمهمشة ، تقوية الثقة بين المواطنين والمواطنات والمؤسسات العمومية التي تعمل على خدمتهم ، تطوير سياسات حضرية تجعل المجال العمومي فضاء آمن ومندمج اجتماعيا وبالتالي فإن الجريمة ليست فقط فعل فردي بل هي مرآة للتحولات والتوترات التي يعيشها المجتمع لذلك فإن فهمها سوسيولوجيا نقصد من إدانة الفعل إلى تحليل الشروط الاجتماعية التي تنتجه وتعيد إنتاجه داخل هذا المجتمع.”

 

من الجانب القانوني ينص القانون الجنائي على جريمة السرقة في “الفصل 505 : من اختلس عمدا مالا مملوكا للغير، يعد سارقا، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم.”

كما نظم القانون لجرائم الاعتداء في “الفصل 400: من ارتكب عمدا ضد غيره جرحا أو ضربا أو أي نوع آخر من العنف أو الإيذاء سواء لم ينتج عنه مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية أو نتج عنه مرض أو عجز لا تتجاوز مدته عشرين يوما ، يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنة وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم ، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.”

وفي حالة توفر سبق الإصرار او الترصد او استعمال السلاح تكون العقوبة الحبس من ستة شهور إلى سنتين والغرامة من مائتين إلى ألف درهم.

بينما تطرق لجريمة القتل في “الفصل 392: كل من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا، ويعاقب بالسجن المؤبد.
لكن يعاقب على القتل بالإعدام في الحالتين الآتيتين:
ـ إذا سبقته أو صحبته أو أعقبته جناية أخرى،
ـ إذا كان الغرض منه إعداد جناية أو جنحة أو تسهيل ارتكابها او إتمام تنفيذها أو تسهيل فرار الفاعلين أو شركائهم أو تخليصهم من العقوبة.”

 

يرى عدد من القانونيين أن ارتفاع بعض مظاهر الجريمة لا يرتبط فقط بوجود النصوص القانونية، بل أيضًا بفعالية تنزيلها وسرعة تنفيذ الأحكام وتعزيز الإحساس العام بالعدالة. لما لهذه الجرائم من تهديد مباشر لأمن المواطنين واستقرار المجتمع.

هل العقوبات الحالية تحقق الردع فعلا؟

 

بالمقابل، فإن المقاربة القانونية الحديثة لم تعد تقوم فقط على العقوبة، بل أصبحت تراهن أيضا على الوقاية وإعادة الإدماج، خاصة بالنسبة لفئة الشباب والأحداث. إذ تشير العديد من الدراسات القانونية والحقوقية إلى أن السجن وحده، في بعض الحالات، قد لا يكون كافيا لمعالجة الأسباب الحقيقية المؤدية إلى الجريمة، خاصة عندما ترتبط بالفقر أو الإدمان أو التفكك الأسري أو الهدر المدرسي.

 

بالموازاة مع ذلك، يبرز دور المؤسسات الأمنية والقضائية في تحقيق التوازن بين تطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات، عبر تعزيز الأمن داخل الفضاءات العمومية، والتصدي للشبكات الإجرامية، ومكافحة الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، إلى جانب تطوير آليات العدالة الوقائية والتوعية القانونية داخل المجتمع.

 

تجدر الإشارة إلى أن مجموعة من الباحثين الحقوقيين والاجتماعيين والاقتصاديين والنفسيين يرون أن تعزيز الشعور بالأمن والأمان لا يتحقق فقط عبر التشديد العقابي، وإنما عن طريق ترسيخ الثقة في المؤسسات، وتسريع مساطر التقاضي، وضمان العدالة الاجتماعية، لأن القانون يفقد جزءًا من فعاليته عندما يشعر المواطن بغياب الإنصاف أو اتساع الفوارق الاجتماعية.

 

ختاما، فإن معالجة ظاهرة السرقة والعنف بالمغرب تفرض مقاربة قانونية متوازنة تجمع بين الردع، والوقاية، وإعادة الإدماج، حتى لا يتحول الأمن إلى مجرد تدخل ظرفي، بل إلى سياسة عمومية شاملة تحمي الإنسان والمجال العام، وتحد من الفوارق الاجتماعية والهشاشة التي تغذي مختلف أشكال الانحراف والجريمة.

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .