لماذا نكتب؟ سؤال يحمل همه الكتاب والمؤلفين
للوهلة الأولى قد يبدو لكم مجرد سؤالا بسيطا، لكنه واحد من أكثر الأسئلة إرباكا لكل كاتب حقيقي. إنه أعمق مما نظن، والجواب عنه أكثر تعقيدا، فأغلب الكتاب هاجسهم الأكبر هو من سيقرأ ؟ في عصر الأنترنت والذكاء الاصطناعي والسرعة، أصبح المنتوج الفكري مرتبطا بالربح السريع.ومع هذا التحول دخلت فئات مختلفة إلى عالم الكتابة، من مختلف الشرائح الاجتماعية والعمرية وحتى المهنية. الكل يكتب لهدف أو بدونه، لكن من سيقرأ؟
هناك من يكتب ليغير الواقع، يناضل، يُعلم، يُنمي ويحيي ثورة الفكر والوعي الذي فقد امتداده وبريقه في زمن التكنولوجيا الشرسة. فأصبح الفكر الجاد يحظى بفئة قليلة تطمح لنصرته ومواصلة المشوار.
عندما تكتب لترافع عن قضية معينة فأنت تناقش، تحلل وتحاول أن تجد حلول حقيقية لمعالجتها ليس رغبة في مقابل مادي أو معنوي. بل تقدم خدمة للإنسانية حتى لو لم يعرف قيمتها هذا الجيل ربما ستخدم جيلا آخر وتكون بوصلته نحو الفهم العميق والوعي وبالتالي البناء الحقيقي للمرحلة المقبلة. وقد يكون هذا من بين الأسباب التي تدفع كل كاتب من منبره العلمي للاستمرار وتجديد الوفاء لملكة الكتابة رغم كل المعيقات التي يواجهها في مسيرته، لأنه يؤمن أن الحرية تبدأ من التحرير وبالمناسبة هذا العنوان سيكون موضوع المقال المقبل.
ومن هنا يبرز سؤال آخر مرتبط بالكتابة نفسها : هل الإبداع فطرة أم صناعة ؟
فالإبداع فن وموهبة وقد يكون فطرة لدى البعض. ما يحقق فارقا في مجال تخصصه. أما البعض الآخر هو من يخلق الإبداع بمختلف الوسائل الممكنة لإثبات النجاح حيث ينتج عنه من يمارس الإبداع لتحقيق الربح. وهناك من يمارسه لخدمة الصالح العام اليوم وغدًا ودائما سواء حقق مردودية مادية آنية أو فكرية مستقبلية. وإذا كان الحظ حليفه يجتمع الاثنين معا.
في عصر كل شيء فيه متاح يبرز العامل الفيصل وهو التوازن الفكري والنفسي تجاه المواد المعروضة كيفما كانت بانتقاء دقيق لأن كل انفلات له نتائج سلبية اجتماعيا، اقتصاديا، ثقافيا ونفسيا…قد يكلف الفرد والجماعة سنوات من التخلف عن الحداثة وما بعدها ويجعله يتخبط في التفاهة وما يصاحبها وهذا من بين الأسباب التي ساهمت في الوضعية الصعبة التي نعيشها أقل ما يمكن وصفها برقمنة الفكر وأدلجته.
فالكتابة الحقيقية ليست ترفًا، بل محاولة مستمرة لإنقاذ الوعي من الضياع.
Comments ( 0 )